مقالات جانبية

المخـــــــدرات

لظاهرة سوء استعمال المخدرات وتعاطي الحشيش -باعتباره على رأس القائمة- أبعاد متعددة بدءا من الأبعاد التاريخية الجغرافية إلى الأبعاد الحيوية والنفسية التربوية والأبعاد الاجتماعية الثقافية. وباستقراء الخبرات البشرية عبر القرون ثبت أن الحشيش ومعه الأفيون كان ومازل على الأمم التي أساءت استعمالهما لغير أغراض طبية أو صيدلانية، بل إن الاندحار الحضاري أسهم بقدر ما في ظاهرة سوء الاستعمال.

التعليم والتربية

إذا انتقلنا إلى الأثر التالي للأسرة أصدقاء ما بعد الطفولة المبكرة، والمواكب لهما في المراحل العمرية اللاحقة فستكون بالضرورة المؤسسة التعليمية التي تعدّ الفرد إلى التوافق مع مجتمعه بأبعاده التاريخية والثقافية والحضارية المتعددة على هدى الحقوق والمسؤوليات التي سينشأ على مراعاتها والالتزام بها. ولا سبيل إلا باستيعاب ذلك كله عن طريق إمداد العقل بالمعارف والعلوم وتدريب النفس على تمثل القيم الأخلاقية والدينية التي تأسس عليها المجتمع. فإن العقل هو الوسيط الذي بسلامته ورجاحته ينهض بالإنسان ويرقى بالمجتمع، وبذلك كانت حمايته هي المقصد الأول من مقاصد الشريعة حيث إنه بدونه لن نصل إلى مقاصد الحفاظ على الدين والعرض والنفس والمال والنسل. لذلك كانت الخمر والمخدرات وبالا على تهديد العقل وسيط المعرفة والدين والحضارة.

لقد بينت الدراسات التي اقتفت أثر سوء استعمال القنب (الحشيش) وهو أقل شدة ونفاذا من المواد القاسية الأخرى، أن الاستعمال المزمن أو الحاد قد يؤدي إلى إضعاف الذاكرة والوظاثف العقلية والقدرة على تسلسل الأفكار والإضرار بالنمو الاجتماعي والعاطفي للأطفال والمراهقين، وإضعاف مستوى الأداء الدراسي، وترتبط درجة الإضعاف بالكمية أو الجرعة المتناولة. ويلخص الأثر المحتمل لأنواع مختلفة من المخدرات بأنها يمكن أن تقلل من العمليات والقدرات المعرفية، وتعوق بين الطفولة والشباب وتنمية قيمهم ومثلهم. كما يؤدي انخفاض مستوى الكفاءة المعرفية إلى انخفاض المستوى الأكاديمي ويؤدي إلى التقليل من شأن الإنسان لنفسه، كما تسهم في عدم الاستقرار النفسي والشعور بالهوية (UNDCP) وقد تهيمن المخدرات على تفكير الشخص إلى درجة إصراره على اللجوء إليها كمهرب لحل مشكلاته الخاصة.

ـ العمل والبطالة

العمل والبطالة على طرفي نقيض، فالعمل يقوي من إرادة البناء والبطالة تثبّط من همته، والعمل عصب التنمية والإنتاج وهو بدوره السبيل إلى التقدم والرخاء. وإذا أراد عدوّ أن يغدر بشعب فإنه يهاجم مواقع الإنتاج الرئيسية بالنسف والتخريب، فإذا لم يستطع فبالحيلة والغدر مستهدفا جوهر العمل ذاته وهو القوى البشرية وتفريغها من مضمون إرادتها وكفاءاتها ومهاراتها. فبالدعوة إلى هجرة أفضل العقول وأكفأ المهارات إلى مواقع إنتاجه من ناحية ومن ناحية أخرى إضعاف القوة الباقية في موطنها الأصلي، وسبيل ذلك يمكن أن يكون بتشجيع مؤامرات جلب وتهريب المخدرات. فإذا كانت البطالة ظاهرة لها مقدماتها الاقتصادية وهي تعيق عملية التنمية وتؤدي إلى مشكلات اجتماعية أخرى متعددة، فإن انتشار المخدرات يستهدف التهام حصاد العملية الإنتاجية وسوء استعمالها يؤدي إلى إضعاف القدرة على الأداء والتقليل من دقته ووصول العامل المتعاطي أو المدمن إلى حالة من الإحساس بالضياع والشعور باللامبالاة والاغتراب عن مواقع الإنتاج والأسرة والأبناء والمجتمع. 

ـ تعاطي المخدرات

يقلل من التركيز الدائم وحضور الذاكرة ويعرض المهارات الميكانيكية للضياع. والأفيون يقلب الأمزجة ولو بجرعات صغيرة، ويقلل من النشاط ويضعف من المهارات الآلية النفسية المرتبطة كقيادة السيارات

فقد أوضحت دراسات عدة أن تعاطي المخدرات يقلل من التركيز الدائم وحضور الذاكرة وتعريض المهارات الميكانيكية للضياع. وعلى نفس نسق ما أوردناه من أثر المخدرات على القدرات المعرفية في العملية التعليمية فإن نفس النتائج المشابهة تتكرر في عمليات الأداء الإنتاجي وفي الكفاءة الذهنية والمهارات اليدوية.

فالحشيش يفسد الوظائف المعرفية كما أثبتت البحوث المصرية ذلك على مدى العقود الأربعة الماضية. ويزيد الحشيش من زمن الاستجابة أو رد الفعل وانخفاض الدقة الميكانيكية. والأفيون يقلب الأمزجة ولو بجرعات صغيرة، ويقلل من النشاط ويضعف من المهارات الآلية النفسية المرتبطة بقيادة السيارات. وإذا كان الكوكايين ولو بجرعات صغيرة قد يحسّن الأداء في الأعمال الصغيرة، فإنه بالإضافة إلى المواد المشتقة منه يؤدي إلى نوع من القهر عند تكرار الاستعمال والإدمان عليه. ورغم ما قيل فإنه من الواضح أن التورط في سوء استعمال المخدرات يخفض من الإتقان في العمل ويضعف من الدقة في الأداء كما أثبتت ذلك نتائج البحوث التي أجراها المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية على مستوى القطر المصري بين العمال والطلاب والتلاميذ، وكذلك الدراسات التي أجرتها منظمة العمل الدولية ILOفي عدد من الدول الأوروبية، أو التي أجريت على موظفي هيئة البريد في الولايات المتحدة الأميركية، أو التي أجريت على عينة من 468 من الشباب في لوس أنجلوس بولاية كاليفورنيا. وتبين أن التعاطي ينتشر بين العمال الذين يلتحقون بورش صناعية في الأماكن والأحياء التي تنتشر فيها ثقافة تعاطي المخدرات.

وقد تشكل البطالة تربة خصبة لتنامي مشكلة سوء استعمال المخدرات خاصة بين الشباب العاطلين، ومما يساعد على ذلك تهميش مجتمع الكبار لهم فيجعل قابليتهم للوقوع في خبرات التعاطي أكثر احتمالا. والجدير بالذكر أن 30% من قوة العمل في العالم معطلة عن الإنتاج، وهناك أكثر من 120 مليون نسمة مسجلون كعاطلين، وهناك أيضا 75 مليون نسمة طالبين للعمل. وهؤلاء غير ملايين الأفراد غير المسجلين، إلا أن كثيرا من هؤلاء يقومون بأعمال في القطاع غير الرسمي مما قد يقلل نسبيا من غلو المشكلة.

ـ المخدرات والجريمة

اختلفت الآراء حول علاقة المخدرات بالجريمة وهل هي علاقة سببية بين المقدمات والنتائج؟ أم علاقة ارتباط بين مثير واستجابة؟ أم أنها عامل مساعد لا تتم الجريمة إلا بحدوثه؟ ولكل هذه التساؤلات من نتائج الدراسات ما يثبتها ومنها ما ينفيه. 

(UNRISD, 1984) وما دام الأمر كذلك وفيه حيرة منهجية، فإنه على الأقل وجدنا من الدلائل ما يثبت -خاصة في العقدين الأخيرين بعد استشراء الظاهرة عالميا وسوء الاستعمال المفرط بالنسبة للمخدرات المصنعة والمواد النفسية المنشطة- أن ثمة جرائم تحدث قبل التعاطي وأخرى بعدها وأغلبها يرتبط بأمرين: 

الأول يتعلق بجلب المخدرات وتوزيعها، والثاني يتعلق بعملية الاستهلاك.

وتبدأ الجرائم الخاصة بالجلب والتوزيع من التجريم القانوني لها، وترتبط بالجرائم ضد الأشخاص بالقتل والأذى البالغ أثناء الاصطدام مع قوات المطاردة لعصابات المهربين، أو في مواقف الصراع الذي يحدث أحيانا بين هذه العصابات، وكذلك توريط العديد من الأحداث والشباب في عصابات التوزيع والتسويق. وأخيرا وليس آخرا جرائم التربّح من جراء أنشطة غسيل أموال والتي فطن إليها أخيرا كبار التجار والمهربين. أما الجرائم المرتبطة بالاستهلاك فإن أغلبها ينحصر في جرائم المال بسبب القهر الذي يسبق رغبة المدمن في الحصول على المخدر عندما يقع في ضائقة مالية تحول بينه وبين القدرة على شراء المخدرات. وتشير دراسة أجريت في تورنتو بكندا إلى تورط الكثير من الأحداث والشباب في نشاط عصابات للشباب خلال سنة 1980 في ارتكاب جرائم السرقة والسطو من أجل الحصول على المال لشراء المخدرات. كما اتضح أيضا أن جرائم العنف والتشويه واستخدام الأسلحة قد صاحبت تسويق مخدر كراك الكوكايين (Fredrik, M)

وأفاد تقرير مؤتمر الأمم المتحدة السابع لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين (ميلانو 1985) عن الشباب والجريمة والعدالة، بأن سلطات الدول المشاركة قلقة للغاية بسبب مصاحبة ازدياد معدل الجريمة بازدياد استهلاك العقاقير المخدرة. وأشير أيضا إلى أنه كثيرا ما يرتكب مسيئو استعمال العقاقير جرائم تتصل بتعودهم تعاطي المخدرات، وخاصة من أجل الحصول على العقاقير أو المال الذي يشترونها به.

- الإنسان والمخدرات

أشرنا إلى أن استراتيجية الوقاية والعلاج يجب أن تتجه إلى جوهر المشكلة ذاتها وهم الناس أنفسهم فهم المقصد من الحماية حيث إنهم مستهدفون لسلب عقولهم وحجبها عن استيعاب المعرفة وإضعاف قدرتهم على توظيفها في العلم أو الإنتاج أو إدارة شؤون أسرهم ومؤسساتهم والبلاد. ومن ثم لا فائدة أو نفع من أي إجراء وقائي أو علاجي إلا إذا صدر من قناعتهم. فالعقل المستهدف بالتغييب هو نفسه القادر على درء الضرر والشر المستطير عنه. فلنبدأ أولا بقناعته بتحريم أو تجريم المخدرات ودون أن يقول المرشح للتعاطي "لا ولن" أتعاطى. وبفضل هذا الوعي يمكن أن يكون الدرع الواقي إزاء هجمات المخدرات أو إزاء عوامل الاستهواء والترغيب لسوء الاستعمال. ومن ثم فإن الأمر يتبلور في مفهوم ثقافي قد يكون مصدره الدين أو العرف أو القانون أو الأخلاق أو كل ذلك معا. ولذلك فإن قولة "لا ولن" أقبل على تجربة التعاطي هي التي نبحث عن إرسائها في عقول الناس وإفهامهم منذ وعيهم بالحياة ووقوفهم على أبواب تحمل المسؤولية والتكليف وإدراكهم لحقوقهم في المجتمع. فإذا تحقق ذلك احتمى الإنسان بحصن الأمان ضد رجمات سموم المخدرات و إجرام موزعيها. أما إذا افتقد الإنسان المناعة المعرفية النفسية أي الوعي لظرف اجتماعي أو لآخر، فإن حاجته ماسة للمساندة المعرفية والنفسية والاجتماعية من خلال النظم التي يستظل بها والمؤسسات الاجتماعية التي تقدم له خدماتها المتبوعة من الأسرة إلى المدرسة إلى المسجد أو الكنيسة إلى الورشة أو المصنع أو المنتدى الرياضي أو الثقافي أو الترفيهي.

وكل من هذه المواقع هي الموئل الطبيعي الاجتماعي للإنسان حيث يفترض أن يكون الوسط الصحي لتلبية حاجاته البشرية والاجتماعية المشروعة، إلا أنه من جهة أخرى قد تكون -ماعدا دور العبادة– موطنا لممارسة أنماط منحرفة من السلوك ومنها تعاطي المخدرات أو الاعتماد عليها، وبذلك فإن الوقاية تبدأ من هذه المواقع. وفي حالة إصابتها بالخلل الذي قد يترتب عليه ممارسة سوء استعمال المواد المخدرة المحظورة فإن المؤسسات والنظم الضابطة لإيقاع الحياة الاجتماعية السوية عليها أن تتدخل لحماية مواقع التنشئة الاجتماعية، أسرة كانت أومدرسة أو مصنعا أو منظومة برامج تلفزيونية أو ناديا رياضيا أو ترفيهيا تشجع فيها ثقافة التعاطي بل الممارسة الفعلية أحيانا.

إن مشكلة المخدرات بأبعادها المتعددة التي تناولناها مشكلة في غاية التعقيد بوضعها الراهن على مستوى العالم والمستويات المحلية القومية وتتشابك فيها العوامل المكونة لها، اقتصادية مادية اجتماعية، نفسية، بيئية، أخلاقية دينية.. ولكل عامل من هذه العوامل وزنه الخاص، ويختلف من مجتمع لآخر ومن فئة وطبقة اجتماعية إلى أخرى. إنما العامل الرئيسي المشترك الذي يربط بين العوامل المتعددة هو البعد الثقافي الديني والأخلاقي والقيمي فهو الذي يضمن حصانة الإنسان المعرفية والنفسية التي تحبذ رفض فكرة التعاطي ونبذها وإبعادها عن المخاطر، فبالرغم من صعوبة المشكلة بتعدد عواملها وتفاعلها إلا أن أكثر الطرق يسرا لحل المشكلة هو توظيف البعد الديني والأخلاقي انطلاقا من تعاليم الدين التي تحرم سوء استعمال الخمور والمخدرات، إلى الممارسات الدينية في دور العبادة التي تزيد مناعة الإنسان ضد مساوئ وأضرار المخدرات. وقد غاب في كثير من الأحوال عن أصحاب الاهتمام هذا البعد الديني والأخلاقي في تحديد ملامح استراتيجية الوقاية والعلاج. ويلاحظ ذلك في توصيات المؤتمرات الدولية، فإنها تقارب البعد الديني الأخلاقي بنوع من استحياء لولا مساهمات الدول العربية الإسلامية في التأكيد على إيلاء العامل الديني والأخلاقي الاهتمام وغرس القيم الدينية والأخلاقية الواقية من التورط في الانحراف وسوء استعمال المخدرات بوجه خاص. 

إن إيلاء الاهتمام بالبعد الديني الأخلاقي يجب ألا يؤخذ بمعزل عن عناصر التنمية المتكاملة والمتواصلة لأنه بمفرده لا يتحقق غالبا في غياب ديمقراطية المشاركة في التنمية ومقوماتها المعرفية والعلمية والاقتصدية والاجتماعية. فإذا كان الإنسان هو المستهدف من سوءة المخدرات وهو المقصد أيضا والوسيلة لحمايته منها، فإنه يمكن بالتنمية الشاملة المتكاملة احتواء المشكلة والتقليل من أضرارها بقدر الإمكان لأن التنمية للإنسان وبالإنسان.

إعداد :الأستاذ بلعربي عزالدين